أنا لا أشعر بشىء!

 

تجلس مع أحد أصدقائك، يلاحظ عليك تغيرا ما فيسألك: “إيه يابنى مالك؟ ” فتجيب حقيقة أو إنكارا. .“ولا حاجة”

هاتفك النقال فى يدك وأصبعك الكبير يحرك صفحة الفيس بوك صعودا وهبوطا على الشاشة، تمر عيناك على الأخبار بمختلف أثرها ثم تختبر أخيرا “مش حاسس بحاجة”

تسأل عزيزا لم تره منذ زمن :“أخبارك وأخبار الدنيا معاك ؟ /انت كويس؟” فيجيبك :“العادى/عادى يعنى مفيش جديد”

“ولا حاجة، مفيش حاجة ، مش حاسس/محستش بحاجة، عادى”

هل توجد هذه الكلمات وما شابهها فى قاموسك أو قاموس المحيطين؟
هل تستقبلها منك أو ممن حولك نفس الاستقبال فى كل مرة؟  أم تدرك أن معنى الكلمة يختلف باختلاف الكواليس ؟

دعنا نتأمل بعض الكواليس ..

مشهد أول ..

نشأ أحمد فى أسرة عملية، لا تتحدث كثيرا بلغة المشاعر ، وتطبع بطبع أسرته..
يستغرب فى كل مرة من سؤال خطيبته:”طيب وحسيت بإيه؟”
تتراوح إجابته عن هذا السؤال بين :” عادى يعنى/محستش بحاجة/مش عارف/أو يجيب بفكرة عوضا عن الشعور”

تفسير محتمل ..
أحمد لا يعرف كيف يتعرف على مشاعره وكيف يعبر عنها .. وذلك لا يعنى أنه لا يشعر بشىء ما

“المشاعر الأساسية الستة “six basic emotions”

مصطلح يشير إلى نظرية بول إيكمان  Paul Ekman
والذى عرف فيها ستة مشاعر أساسية ( الغضب ، الاشمئزاز ، الخوف، السعادة، الحزن ، الدهشة)

بينما نظرية Robert Plutchic  عرف فيها 8 مشاعر ، كل شعورين متقابلين فى مجموعة (فرح &حزن/غضب&خوف/ثقة&عدم ثقة/دهشة/توقع).

تعد المشاعر الأساسية مشاعر أولية مشتركة يختبرها جميع البشر مهما اختلف الزمان والمكان، هى كذلك مشاعر تلقائية وضرورية للبقاء والحياة، وتتشابك المشاعر الأساسية لتكون مشاعر ثانوية أكثر تعقيدا ، غير أن كل شعور مهما بلغ تعقيده ، يرجع بالأساس لأحد المشاعر الرئيسية الستة أو الثمانية

لكل شعور مسمى، ودرجة قياس أيضا، وبالتعرف عليهما والتدرب على ذلك ، نصبح أكثر قدرة على التقاطها ، ومعرفة الفكرة المسببة ، والتحكم فى رد الفعل.

مشهد تانى ..

يقرأ أحمد دائما عن السعادة ويتلهف عليها، إذا زرت صفحته على موقع التواصل فكل ما يكتبه هو عن السعادة ، أو كيفية الوصول إليها ، وإجابته إذا سألته عن شعوره هى إما “مبسوط” أو “لا شىء”..

تفسير محتمل..
أحمد يعرف المشاعر ومسمياتها ، لكنه يعانى من قطبية التفكير ، هو لا يعترف سوى بالفرح كشعور ، إما هو أو لاشيء
أحمد من “مطاردى السعادة”  .. ربما لذلك لا يختبرها إلا قليلا .. لأنه يضيع شعور اللحظة فى رحلة البحث عن سعادة ربما تتحقق وربما لا ، ووقتما تتحقق تكون إما لحظات أو ساعات أو حتى أيام عدة ثم يعود مجددا ل”لا شىء” ..

ليست السعادة هدفا فى ذاتها ، والمشاعر التى قد ننبذها لمسمياتها كالخوف والغضب والحزن والاستياء هى مشاعر أساسية نمر بها جميعا وتمر بنا ، وبقليل من التأمل نكتشف أن لولاها لما بقينا على قيد الحياة. .
أحمد يحتاج إلى التعامل مع “فكرته” عن المشاعر

مشهد تالت. .

يمر أحمد بفترة عصيبة فى حياته ، ولديه ضغوطات عدة تفوق قدرته على التحمل ، ورغم ذلك يشعر بانفصاله عن عالمه ، كأن ما يحدث لا ينتمى إليه، يقول:”مش حاسس بحاجة أو عادى .. أنا كويس جدا”

تفسير محتمل..
مع إحساس أحمد بالخطر ، هبت وسائله الدفاعية ومقرها عقله الباطن لحمايته. .
وقد تأتى الحماية فى صور عدة ..كـ

  • الكبت  Repression  وفيه يقوم العقل بنقل كل ما هو ضاغط ومؤذ ومسبب للقلق من مستوى الوعى إلى اللا وعى
  • الإنكار Denial : هذا الواقع غير موجود /غير حقيقى
  • التفارق  (الانفصال) Disassociation : يفصل العقل الشعور المصاحب لفكرة أو موقف معين أو حتى فصل نفسه عاطفيا عن المجتمع
  • استذهان (عقلنة) intellectualization : التركيز على الأجزاء العقلانية المتعلقة بالموقف من أجل إبعاد النفس عن القلق المصاحب لهذا الموقف
  • الانعزال  (isolation of affect ) عزل المشاعر عن الأفكار والأحداث

مشهد رابع ..

مع استمرار الضغوط على أحمد ، نفذت طاقته، وطاقة وسائله الدفاعية، ومع أن الوضع لم يتغير ، لم يعد يشعر حقا بعدما اختبر القلق الشديد لفترة طويلة ، هدأ تماما، لا يشعر بشىء ولا يرغب فى أى شىء

تفسير محتمل ..
وقع أحمد فى دوامة من القلق حتى خارت قواه وأصيب بالاكتئاب المرضى. .
“أنا لا أشعر بشىء” تصبح واحدة من عدة أعراض تشخيصية للقلق أو الاكتئاب المرضى ، قد يوجد  أشكال أخرى للشعور كعدم الاستمتاع بشيء ولو كان يسبب المتعة سابقا Anhedonia أو الإحساس بالذنب يرافقها أيضا أعراض بيولوجية  (تغيرات فى الشهية /النوم/الرغبة الجنسية /أعراض نفس جسدية) وتأثر القدرات العقلية  (كالقدرة على التركيز) وإذا استسلم أحمد تماما قد تزوره الأفكار الانتحارية

 غير القلق والاكتئاب ، هناك أمراض نفسية أخرى قد تصاحب أى منهما أو تأتى مفردة و يختبر معها أحمد حالة “اللا شعور”
كأن يتعرض لصدمة نفسية شديدة -كأن يتعرض لحادث شديد أو يشارك بعمق شخصا يحبه تجربة أليمة أو أن تشهد
مدينته كارثة طبيعية-   ويختبر بعد عدة أشهر أعراض “كرب ما بعد الصدمة   Post traumatic stress disorder
أو،
أن يشخص أحمد باضطراب الشخصية الحدية Borderline personality disorder  .. وأحد جوانبه الأساسية الشعور بالخواء Emptyness وتأتى أحد ترجماته الشعورية “مش حاسس بحاجة”
أو،
قد يتصف أحمد بما نسميه High suggestibility وتعنى التأثر الكبير بقوة الإيحاء ، فنرى أحمد بعد جلوسه مع صديق يشكو إليه عدم القدرة على الشعور أو بعد قراءته كتابا يحمل نفس المحتوى يشعر أنه أيضا لا يشعر بشىء! وهو ليس بالضرورة كذلك
لذا من الضرورى أن نفرق إن كان الشعور يخصنى أم أنى أحمله نيابة عن غيرى ..

مشهد خامس ..

يعانى أحمد من الاكتئاب. . وكتب له طبيبه النفسى مضاداً للاكتئاب. . وفى إحدى زيارات المتابعة عبر أحمد عن تحسنه بيولوجيا  كما لم تعد تراوده أفكار الانتحار. . غير أن شيئا ما لا يشعره بالراحة .. يقول : ” لم أعد حزينا كما كنت ، غير أنى لم أعد أشعر بشىء آخر .. لا الحزن ولا غيره ”

تفسير محتمل ..
بعد مضادات الاكتئاب قد تفعل ذلك حقا .. يصبح المريض غير قادر على اختبار أى شعور أو معايشته ،
وفى هذه الحالة يقوم الطبيب باختيار دواء بديل لا يكون له نفس التأثير ، أو ربما يضيف دواءا آخر يعالج هذا العرض الجانبى .

 

كيف أتعامل مع “اللا شعور”؟

1- تعرف على سبب ذلك وتعامل معه

  • إذا كان الشعور لا ينتمى إليك فاخلعه عنك كما أشرنا سابقا
  • إذا لم تكن لديك خبرة كافية بالمشاعر تعرف عليها وتعلم كيف تعبر عنها بدقة -مسمى وقياس-
    لا تنس أيضا مراجعة “فكرتك” عن المشاعر -قد تحتاج فى ذلك إلى مساعدة أخصائي /طبيب نفسى-
  • إذا كانت الضغوط هى السبب ،أنت بحاجة للتعامل معها. . قلل الضغوط فى حياتك قدر المستطاع وتعلم طرقا جديدة للتعامل مع ما تبقى منها “كمهارات الاسترخاء/اليوجا/الوسائل الدفاعية الناضجة “
  • إذا وجدت نفسك -أو نبهك الآخرون -أنك ربما بحاجة لاستشارة طبيب نفسى لا تتردد فى ذلك ، ربما أنت فى حاجة مؤقتة لدواء، أو دواء بديل ، أو جلسات علاج نفسى كلامى على اختلاف صوره

2-صحتك الجسدية تنعكس على صحتك النفسية

  • تناول طعاما صحيا
  • نل قسطا كافيا من النوم
  • مارس الرياضة باستمرارهذه المفاتيح الثلاثة تلعب دورا بالغ الأثر فى نفسيتك المغلقة. . تعمل على فتحها “تحسين مزاجك” على الأمد القريب والبعيد ..

 

3- شبكة الدعم
لا تتردد أبدا فى اللجوء إلى من تحب ، التحدث معهم بحرية والاستئناس بهم ، اختبر معهم من جديد مفهوم التواصل والشعور ، ومتى أصبح الوضع فوق طاقتك ولا تجد البوح كافيا ، ، اجعل طبيبك إذا فردا فيها

          ها .. أخبرنى الآن .. ما هو شعورك؟

اقرأ أيضاً

عن د. دعاء أحمد

دعاء أحمد عبد الفتاح استشاري الطب النفسي بكالوريوس الطب والجراحة. جامعة الأسكندرية. حاصلة على الزمالة المصرية للطب النفسي حاصلة على الزمالة العربي للطب النفسي حاصلة على دبلومة ممارسة الطب النفسى DPP بجامعة عين شمس